في خطوة قانونية لافتة تُلقي بظلالها على مسار الحرب في السودان، تقدّم عضو مجلس النواب الأمريكي جاكسون عن ولاية إلينوي بمشروع قانون إلى الكونغرس في دورته الـ119 يطالب بمراجعة شاملة لاحتمال تصنيف قوات الدعم السريع منظمةً إرهابيةً عالميةً معيّنةً بصفة خاصة — وهو تصنيف لو تحقّق سيضع قائد الدعم السريع ومموّليه أمام خيارات شديدة الوطأة.
رصد حصل على نص مشروع القانون كاملاً، ويأخذكم اليوم في قراءة تفصيلية لما يعنيه هذا المشروع، وكيف يعمل، وما الذي يمكن أن يُغيّره على أرض الواقع.
أولاً: ما القصة باختصار؟
المشروع اسمه الرسمي “RSF Terrorist Designation Act” — قانون تصنيف قوات الدعم السريع إرهابية. وهو لا يُصنّف الدعم السريع إرهابيةً بشكل مباشر وفوري، بل يُلزم الحكومة الأمريكية بإجراء مراجعة قانونية خلال 90 يوماً لتحديد ما إذا كانت قوات الدعم السريع تستوفي المعايير اللازمة لهذا التصنيف.
الفرق بين الأمرين ليس تفصيلاً بيروقراطياً — بل هو الفارق بين قرار سياسي معلّق وقرار قانوني مُلزم تترتب عليه عقوبات فورية. مشروع القانون هذا يُحوّل المسألة من طاولة السياسيين إلى قاعة المحاكم والمراسيم التنفيذية.
ثانياً: من وراء المشروع؟ ولماذا الآن؟
النائب جاكسون من إلينوي ليس اسماً جديداً على ملف السودان؛ وإلينوي تحتضن واحدة من أكبر مجتمعات الشتات السوداني في الولايات المتحدة، وهو ما يعني أن للمشروع ثقلاً انتخابياً وإنسانياً في آنٍ واحد.
التوقيت يتزامن مع تصاعد التقارير الدولية عن جرائم الدعم السريع، وفي مقدمتها ما رصدته لجان الأمم المتحدة من عمليات تطهير عرقي في دارفور، وانتزاع الاعتراف الأمريكي بوجود إبادة جماعية. وهذا يُفسّر لماذا يأتي المشروع من الكونغرس وليس من البيت الأبيض — فالضغط التشريعي كثيراً ما يسبق القرار التنفيذي أو يُرغمه.
ثالثاً: كيف يعمل المشروع تحديداً؟
المشروع مُنظَّم في أربعة محاور رئيسية، وهو ما يميّزه عن التصريحات السياسية العامة ويجعله أداةً قانونية ذات أسنان.
١. المراجعة الإلزامية (المادة الثانية)
تُلزم المادة الثانية وزيرَ الخارجية ووزيرَ الخزانة بإجراء مراجعة مشتركة وشاملة — لا استشارية ولا اختيارية — خلال تسعين يوماً من إقرار القانون لتحديد ما إذا كانت قوات الدعم السريع تستوفي معايير التصنيف بوصفها “منظمة إرهابية عالمية معيّنة بصفة خاصة” وفقاً للمرسوم التنفيذي رقم 13224، وهو الأمر التنفيذي الرئاسي الصادر منذ عهد بوش الابن وما زال نافذاً، الذي يمنح الرئيس صلاحية تجميد أصول من يدعم الإرهاب.
بمعنى آخر: لا يملك الوزيران خيار التجاهل. النص صريح: “يجب أن يُجريا”.
٢. تقديم النتائج للكونغرس
في غضون تسعين يوماً أيضاً، يجب على الوزيرين تقديم نتائج المراجعة إلى لجنتَي الشؤون الخارجية في مجلس النواب والعلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ. ويشمل التقرير:
- رأي وزير الخارجية الصريح في ما إذا كان سيدعم التصنيف أم لا.
- لائحة بالدول والجهات التي تُقدّم دعماً مادياً لقوات الدعم السريع، مع تقدير القيمة المالية لهذا الدعم.
- تقييم لقدرة قوات الدعم السريع على الاستمرار في حال قُطع الدعم الخارجي عنها.
- تحليل لتداعيات التصنيف على الأمن القومي الأمريكي والمساعدات الخارجية.
هذا البند الأخير بالغ الأهمية: فهو يُلزم الحكومة الأمريكية بالكشف — ولو جزئياً — عمّن يموّل الدعم السريع ومن أين تأتيه الأسلحة، وهو سؤال تتحاشاه دول الخليج والاتحاد الأوروبي منذ سنوات.
٣. العقوبات الفورية عند اتخاذ القرار
إذا خلص الوزيران إلى أن قوات الدعم السريع تستحق التصنيف، يُصبح الرئيس الأمريكي — عبر وزارة الخارجية والخزانة — ملزماً بفرض عقوبات تشمل شقّين:
أ. تجميد الأصول: يتمتع الرئيس بصلاحية تجميد جميع المعاملات المتعلقة بالممتلكات والمصالح المالية للأشخاص المستهدفين في الولايات المتحدة أو التي تمر عبرها، استناداً إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA). وهذا يعني — من الناحية العملية — تجميد كل حساب مصرفي وكل استثمار وكل صفقة تجارية لقيادة الدعم السريع داخل النظام المالي الأمريكي أو المرتبط به.
ب. حظر الدخول: يُصبح كل شخص مشمول بالتصنيف ممنوعاً من دخول الأراضي الأمريكية، غير مؤهل للحصول على تأشيرة أو وثيقة دخول، وتُلغى فوراً أي تأشيرة صادرة في حقه — بما فيها التأشيرات السارية المفعول. والأشد وطأةً أن الإلغاء يسري على أي وثيقة دخول أخرى في حوزة الشخص المعني في الوقت ذاته.
رابعاً: هل هناك استثناءات؟
نعم، والمشروع صريح فيها، وهو ما يعكس الواقعية القانونية الأمريكية في صياغة التشريعات. تشمل الاستثناءات ثلاثة محاور:
أولاً — الالتزامات الدولية: لا تسري العقوبات على دخول من يعدّ دخوله ضرورةً للوفاء بالتزامات الولايات المتحدة الدولية، كاتفاقية مقر الأمم المتحدة التي تُلزم واشنطن بالسماح لممثلي الدول وحاملي جوازات السفر الدبلوماسية بالدخول في بعض الحالات.
ثانياً — المساعدات الإنسانية: لا تُطال العقوبات المعاملات المتعلقة بالغذاء والدواء والمساعدات الطبية وعمليات الإغاثة وتمويلها أو نقل بضائعها. وهذا استثناء جوهري يمنع أن تتحوّل العقوبات إلى أداة لتجويع المدنيين.
ثالثاً — الاستخبارات والأمن القومي: تستثنى العمليات الاستخباراتية وإنفاذ القانون والأنشطة الأمنية الأمريكية من نطاق العقوبات، وهو ما يمنح الأجهزة الأمريكية هامش المناورة اللازم.
كما يمنح المشروع وزير الخارجية صلاحية الإعفاء في حالات بعينها إذا رأى أن ذلك يخدم المصلحة الأمنية القومية — بشرط إخطار الكونغرس خلال خمسة عشر يوماً.
خامساً: لماذا التصنيف مُهمٌّ للغاية؟
ربما يتساءل بعضكم: ما الفرق بين وصف الإدارة الأمريكية لقوات الدعم السريع بـ”مرتكبة الإبادة” وبين تصنيفها إرهابية؟ الفرق هائل ومتعدد الأوجه.
الوصف الجنائي مقابل التصنيف القانوني: وصف أعمال الدعم السريع بالإبادة هو حكم أخلاقي وتاريخي، أما التصنيف الإرهابي فهو إجراء تشغيلي يُفعّل آليات قانونية ومالية وأمنية فورية لا تحتاج إلى مزيد من القرارات.
الأثر على الممولين: التصنيف لا يطال الدعم السريع وحده، بل يطال كل من يُقدّم لها دعماً مادياً — أفراداً كانوا أم شركات أم حكومات. هذا يُحرج مباشرةً الجهات الإماراتية والمصرف المركزي الليبي وكل طرف ظل يُقدّم تمويلاً أو أسلحة.
الأثر على القطاع المالي الدولي: البنوك الدولية التي تتعامل مع أي طرف على لائحة العقوبات الأمريكية تتعرض للمساءلة القانونية. وهذا يجعل التصنيف أداةً لعزل قوات الدعم السريع عن النظام المالي العالمي — لا مجرد شعار إعلامي.
الأثر الدبلوماسي: حتى لو لم تُنفَّذ العقوبات فوراً، فإن مجرد إطلاق المراجعة القانونية الرسمية يُرسل إشارة لا تُخطئها دول المنطقة مفادها أن واشنطن تُعيد رسم خطوطها الحمراء.
سادساً: هل سيمرّ المشروع؟
هنا نكون صادقين مع القارئ: المسافة بين تقديم مشروع قانون والتصويت عليه وإقراره طويلةٌ جداً في الكونغرس الأمريكي. غالبية مشاريع القوانين المقدَّمة لا ترى النور، وكثيرٌ منها يُقدَّم لغرض بناء السجل السياسي أو الضغط على الإدارة أكثر من توقع إقراره فعلياً.
مع ذلك، ثمة عوامل تجعل هذا المشروع تحديداً يختلف عن مجرد تصريح إعلامي:
أولاً، المشروع مُقدَّم في دورة عمل تشريعي كاملة (الدورة الثانية للكونغرس الـ119)، مما يمنحه وقتاً كافياً للتحرك. ثانياً، تصاعد الضغط من مجتمعات الشتات السوداني في الدوائر الانتخابية الأمريكية. ثالثاً، وجود إجماع عبر الحزبين الجمهوري والديمقراطي على ملف السودان أكثر من كثير من الملفات الأخرى. رابعاً، الحكومة الأمريكية أقرّت أصلاً بحدوث إبادة جماعية، مما يجعل التصنيف الإرهابي خطوة منطقية متّسقة مع المواقف المعلنة.
سابعاً: ماذا يعني هذا لحميدتي وقيادة الدعم السريع؟
لو أُقرّ المشروع وتحقق التصنيف، فإن التداعيات تمتد بعيداً:
على الصعيد الشخصي لحميدتي وأشقائه: تجميد الأصول في أي بنك يعمل بالدولار أو يرتبط بالنظام المصرفي الأمريكي، وحظر السفر إلى الولايات المتحدة، وإلغاء أي تأشيرة صادرة لأي منهم. والأهم: سريان الأمر على عائلاتهم وشركاتهم.
على الصعيد المالي لقوات الدعم السريع: أي شركة أو فرد يُنفّذ صفقات ذهب أو استيراد أسلحة أو تمويل لصالح قوات الدعم السريع يُصبح عُرضةً للملاحقة القانونية الأمريكية. وهذا يُحرج تحديداً شبكات تهريب الذهب التي تُشكّل شرياناً مالياً رئيسياً للمليشيا.
على الصعيد الدبلوماسي: أي دولة تُقدّم دعماً عسكرياً أو مالياً لقوات الدعم السريع بعد التصنيف ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع منظومة العقوبات الأمريكية — وهو ثمن لا تستطيع كثير من الدول تحمّله.
خلاصة القراءة
مشروع القانون الذي قدّمه النائب جاكسون ليس الأول من نوعه في تاريخ الكونغرس الأمريكي، ولن يكون الأخير. لكنه يأتي في لحظة فارقة: حين باتت قوات الدعم السريع في مرمى القانون الدولي، وحين تُكثّف منظمات حقوق الإنسان وثائقها، وحين تبحث الإدارة الأمريكية عن أدوات ضغط ذات مصداقية.
الخلاصة بلغة مباشرة: بوابة التصنيف الإرهابي لم تُفتح بعد — لكن يداً أمريكية بدأت تمدّ إليها مفتاحاً. ما إذا كانت ستُدار أم لا، سيعتمد إلى حدٍّ كبير على مدى صمود الضغط الشعبي والدبلوماسي في الأشهر القادمة.
خالد المرصد | رصد
