تحليل | جيوسياسة
برلين 2026: حين تتحوّل قاعات الدبلوماسية إلى مقابر للسيادة السودانية
ثلاثة أعوام من الدم السوداني، وثلاثة مؤتمرات دولية: باريس، لندن، برلين — والنتيجة واحدة لم تتغيّر. فما الذي يجري حقاً خلف أبواب برلين؟ ولماذا غاب السودان عن مؤتمر يُقرّر مصيره؟ وما الفرق بين مؤتمر يصنع السلام ومؤتمر يُعيد تدوير الفشل؟
مقدمة: حين تتكرّر المأساة في مسارح مختلفة
ثمة لحظات في التاريخ تكشف فيها الأحداث عن حقيقتها المجرّدة، لا تحتاج إلى تحليل معقّد ولا إلى قراءة فلسفية عميقة. مؤتمر برلين 2026 هو واحدة من تلك اللحظات. لحظة تجلّى فيها بوضوح صارخ ما كان يُمارَس في الخفاء منذ سنوات: أن السودان لم يكن يوماً موضوع اهتمام دولي صادق، بل أرضاً لإدارة صراع، ومختبراً لهندسة توازنات إقليمية ودولية لا علاقة لها بدماء السودانيين ولا بدموعهم.
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، عقد المجتمع الدولي سلسلة مؤتمرات تحت شعارات إنسانية وسياسية رنّانة. باريس جمعت الممولين، لندن استدعت المناصرين، وبرلين استضافت الجميع — إلا أصحاب الشأن الحقيقيين. ومع ذلك، واصل هؤلاء “المعنيون الدوليون” خطابهم عن السودان كأنه ملف مفتوح على طاولتهم، يُغلقونه ويفتحونه متى شاؤوا، بينما يواصل الشعب السوداني نزيفه اليومي بعيداً عن كاميرات تلك القاعات المكيّفة.
هذا المقال ليس مجرد تعليق على مؤتمر. هو قراءة في بنية نظام دولي كامل، يعيش على صناعة الأزمات لا على حلّها، ويتغذّى على استمرار الحروب لا على إطفائها. وبرلين 2026 ليست استثناءً من هذا النظام — بل هي ربما أوضح تجلّياته حتى اليوم.
أولاً: مؤتمر بلا دولة — قرار بلا شرعية
السؤال الأبسط والأكثر إحراجاً الذي يجب أن يُطرح في وجه منظّمي مؤتمر برلين: كيف يُناقَش مصير دولة ذات سيادة، في غياب تلك الدولة ذاتها؟
الحكومة السودانية قاطعت المؤتمر. هذه ليست تفصيلة هامشية يمكن التغاضي عنها في البيانات الختامية، بل هي ضربة موجعة في القلب الشرعي لكل ما جرى. عندما تغيب الدولة المعنية عن مؤتمر يدّعي البحث عن حل لأزمتها، فإن المؤتمر يتحوّل تلقائياً من منتدى دبلوماسي إلى شيء آخر تماماً: هيئة بديلة تدّعي الوصاية.
الحجة التي يُقدّمها المنظّمون عادةً هي أن الحكومة “غير متعاونة” أو أنها “تُعرقل السلام”. لكن هذه الحجة تنقلب على أصحابها حين ندرك أن الشرعية الدولية ذاتها، بكل مواثيقها وقوانينها، تقوم على مبدأ أساسي: لا يُتخذ قرار يمسّ سيادة دولة من دون موافقتها أو تمثيلها. وأي مسار يتجاوز الدولة، مهما أُلبس من ثياب إنسانية أو حقوقية، ليس حياداً ولا نزاهة، بل هو هندسة بديلة للسلطة، تسعى إلى خلق شرعية موازية من خارج الجغرافيا السودانية.
والأخطر من ذلك: أن غياب الدولة لم يوقف المؤتمر ولم يُشكّك المنظّمون في جدواه. ما يعني أن القرار كان مُتخَذاً مسبقاً بأن المؤتمر سيُعقد بصرف النظر عن موقف الخرطوم، وهذا وحده يكشف أن الهدف لم يكن التشاور مع الدولة السودانية، بل إنتاج وقائع وبيانات تُستخدم لاحقاً ورقةَ ضغط عليها.
في ذلك قياس بسيط: لو أن دولة أخرى تمرّ بنزاع داخلي، كفرنسا أو ألمانيا ذاتها، هل يمكن أن يُعقد مؤتمر دولي بشأنها في غيابها؟ الإجابة معروفة. الفارق الوحيد هو أن السودان دولة جنوبية فقيرة، ومثل هذه الدول تقع دائماً تحت “الرعاية الدولية” القسرية، رعاية لا تسأل عن الإذن ولا تنتظر الدعوة.
ثانياً: إنسانية تُخفي سياسة — الغلاف والمضمون
العنوان الرسمي لمؤتمر برلين تضمّن كلمتين مألوفتين: “المساعدات الإنسانية” و”وقف إطلاق النار”. كلمتان تبدوان بريئتين، بل نبيلتين. لكن الشيطان، كما يقال، يسكن في التفاصيل.
حين تُفكّك بنية المؤتمر: من دُعي؟ من أُقصي؟ ما الأجندة الفعلية؟ من موّل التنظيم؟ — حين تسأل هذه الأسئلة، يبدأ الغلاف الإنساني في التشقق ليكشف عن مضمون سياسي صريح.
المؤتمر دعا أطرافاً سودانية بعينها، بعضها ذو صلات مثيرة للجدل بمسار الحرب ذاتها، بينما أُقصيت أطراف أخرى لها وزن شعبي وميداني حقيقي داخل السودان. هذا الاختيار المدروس للمدعوّين ليس صدفةً تنظيمية، بل هو قرار سياسي بامتياز: أنت تُقرّر مسبقاً النتيجة التي تريدها، ثم تختار الأدوات البشرية التي توصلك إليها، وتُسمّي العملية كلها “مشاورات إنسانية”.
والأدهى أن شعار “وقف إطلاق النار” حين يُرفع في غياب الطرف العسكري الشرعي ويُتفاوض عليه مع ميليشيا مسلحة متهمة بجرائم حرب موثّقة، فإنه يتحوّل إلى اعتراف ضمني بتلك الميليشيا طرفاً شرعياً مساوياً للدولة. وهذا بالضبط ما تسعى إليه قوات الدعم السريع منذ اليوم الأول: أن تنتقل من وضع المتمرد إلى وضع “الطرف التفاوضي المعترف به دولياً”.
إن كلمة “إنساني” باتت واحدة من أكثر الكلمات استخداماً في تاريخ الدبلوماسية الحديثة لتبرير التدخل في شؤون الدول. وما ينبغي أن يعيه السودانيون جيداً هو أن الغلاف الإنساني لا يُلغي الأثر السياسي، بل في أغلب الأحيان يُضاعفه، لأنه يُخدّر المقاومة ويُسكت الانتقاد باسم الضمير الإنساني.
ثالثاً: فشل التمويل — ليس عجزاً مالياً بل قرار سياسي
من أكثر المشاهد التي يجب أن تُثير السخرية المرّة: دول العالم تجتمع في برلين وتُعلن أن السودان يمرّ بأكبر أزمة إنسانية في العالم — ثم تُعلن في الوقت ذاته أنها ستموّل “ما تيسّر”.
الأرقام التي رُصدت في المؤتمر وما سبقه من تعهدات كشفت هوّةً صارخة بين البلاغة الإنسانية والتزام مالي حقيقي. المنظمات الأممية وثّقت أن التمويل المُقدَّم للاستجابة الإنسانية في السودان لا يتجاوز نسبة ضئيلة من الاحتياج الفعلي. ملايين المهجّرين، وملايين أخرى على حافة المجاعة، في مقابل وعود ممولة بالحد الأدنى وتعهدات يصعب التحقق من تحوّلها إلى أموال فعلية.
هذا الفشل التمويلي ليس قصوراً في الإمكانات. الدول المانحة ذاتها أنفقت مئات المليارات في صراعات أخرى حين اقتضت مصالحها ذلك. الفارق الوحيد هو الإرادة السياسية. وغياب هذه الإرادة إزاء السودان يحمل رسالة ضمنية واضحة: لا أحد معنيٌّ فعلاً بإنهاء هذه الحرب بسرعة. الحرب تُدار، لا تُوقَف.
في اقتصاد الأزمات الدولية، ثمة معادلة راسخة: الدول التي تملك نفوذاً على مسار النزاع تستثمر في استمراره حين يخدم مصالحها، وتتبرّع بالفتات الإنساني لكي تبدو في صورة الراعي المهتم. السودان اليوم ضحية هذه المعادلة بامتياز.
رابعاً: الازدواجية القاتلة — السلاح والسلام في يدٍ واحدة
ولعل أكثر ما يُصيب المراقب الموضوعي بالدوار هو مشهد الازدواجية الصريحة الذي لم يعد أحد يجد حاجة إلى إخفائه: نفس الدول التي تُشارك في مؤتمرات “وقف إطلاق النار” هي بعينها التي وثّقت التقارير صلاتها المباشرة أو غير المباشرة بتمويل أطراف الحرب أو تسليحها أو دعمها سياسياً.
السلاح الذي يقتل السودانيين اليوم لا يُصنع في السودان. وخطوط الدعم اللوجستي والمالي لقوات الدعم السريع تمتد عبر حدود إقليمية معروفة لكل من أراد أن يعرف. ومع ذلك، تجلس هذه الأطراف في برلين وتتحدث عن السلام كأنها طرف نزيه بلا مصلحة في الاتجاهين.
هذه ليست مفارقة عَرَضية. هذا نظام متكامل يعمل بوعي: تُديم الحرب من جانب، وتُديم مؤتمرات السلام من جانب آخر، لأن الجانبين معاً يخدمان الغرض ذاته: إبقاء الورقة السودانية في يد من يتحكم في الخيطين. السلاح يُضعف الدولة، والمؤتمرات تُقيّد سيادتها وتُشرعن الوصاية الخارجية عليها.
المشكلة أن الصمت الدولي إزاء هذه الازدواجية لم يعد صمتاً محايداً، بل أصبح تواطؤاً صريحاً. حين تعرف المنظمات الأممية والدول الكبرى مصادر تسليح الميليشيا وتختار أن تتحدث عن “الحوار” بدلاً من المحاسبة، فإنها تختار صراحةً أن تكون شريكة في استمرار القتل.
خامساً: وهم الضغط الدولي — عندما يصبح الحضور غطاءً للعجز
تحضر في برلين مؤسسات دولية كبرى الحجم والاسم: الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الأفريقي، جامعة الدول العربية، والهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد”. حضور ثقيل الوزن البروتوكولي، خفيف الوزن الفعلي.
لأن السؤال الحاسم ليس: من حضر؟ بل: ماذا يملك الحاضرون من أدوات فعلية لفرض التغيير؟ والإجابة كما تعترف بها التقارير نفسها: لا شيء يُذكر. لا نفوذ ملزم، لا آليات تنفيذ، لا قدرة على فرض عقوبات رادعة على ممولي الحرب، ولا إرادة جماعية لمحاسبة من يُغذّي الصراع.
الأمم المتحدة ذاتها معطّلة بنظام الفيتو في مجلس الأمن، والاتحاد الأوروبي مشغول بأزماته الداخلية المتكاثرة، والاتحاد الأفريقي مُقيَّد بمبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية” وبانقسامات الموقف بين دوله الأعضاء أنفسهم. والنتيجة الحتمية لكل هذا الحضور المُجوَّف: بيانات، وتصريحات، واجتماعات تنتج اجتماعات أخرى، ولا شيء يتغير على الأرض حيث تسقط القنابل ويموت الأطفال.
وثمة خطر إضافي لهذا “الحضور الفارغ”: أنه يمتصّ الزخم الدولي ويُعطي الانطباع بأن العالم “يتعامل مع القضية”، فيُخفف الضغط الشعبي والإعلامي الذي قد يُنتج ردود فعل أكثر جدية. المؤتمر يصبح صمّام أمان لا طريقاً للحل.
سادساً: الحرب كشبكة — والسودان في قلب الصراع الإقليمي الكبير
ما يفوت كثيراً من التحليلات السطحية هو أن ما يجري في السودان لم يعد منذ فترة طويلة “نزاعاً داخلياً” بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. السودان اليوم هو عقدة تلتقي فيها خيوط صراع إقليمي ودولي متشعّب، تتشابك فيه مصالح لاعبين متعددين لكل منهم حسابات مختلفة.
في الجانب الإقليمي: ثمة دول ترى في إضعاف الدولة السودانية المركزية مصلحةً استراتيجية تُمكّنها من التمدد النفوذي. وثمة دول أخرى تستخدم الأراضي السودانية ممرّاً لتوسيع حضورها العسكري في أفريقيا جنوب الصحراء. وثمة فاعلون من القطاع الخاص والجماعات شبه العسكرية الذين وجدوا في الفوضى السودانية فرصةً لاستخراج الثروات المعدنية، الذهب تحديداً، بعيداً عن سلطة الدولة ورقابتها.
وفي الجانب الدولي: تتنافس قوى كبرى على تشكيل مستقبل القارة الأفريقية، وسودان مُفكَّك أو ضعيف هو أسهل في الاستثمار والنفوذ من سودان موحّد وقوي. روسيا تسعى إلى موطئ قدم على البحر الأحمر. قوى غربية تتنافس على ملء الفراغ الأمني في المنطقة. وبين هذا وذاك يدفع الشعب السوداني ثمن معادلات لم يُستشر فيها قط.
وفهم هذه البنية المركّبة يُجيب على سؤال جوهري: لماذا لا يُحسم هذا الصراع رغم كل المؤتمرات والوساطات؟ لأن الحسم الحقيقي لا يأتي من قاعات برلين ولا من بيانات مجلس الأمن، بل يأتي حين تتغيّر حسابات اللاعبين الإقليميين والدوليين، حين تُصبح التكلفة الاستراتيجية لاستمرار الحرب أعلى من عائدها. وهذه التكلفة لم تبلغ ذلك الحد بعد.
سابعاً: من هم هؤلاء الجالسون في برلين؟ — ملف الخيانة المُتاجَر بها
يستحق أن نقف عند هذه النقطة طويلاً، لأنها الأكثر إيلاماً والأشد حاجةً إلى الصراحة: ليس كل من جلس في برلين أجنبياً لا يعرف السودان. كان بين الحاضرين سودانيون، يحملون أسماء سودانية، وربما وجوهاً سودانية مألوفة.
وهؤلاء السودانيون الذين اختاروا المشاركة في مؤتمر تُقاطعه حكومة بلدهم المنتخبة، الذين جلسوا جنباً إلى جنب مع ممثلي ميليشيا وثّقت محاكم ومنظمات دولية جرائمها بحق المدنيين السودانيين، الذين أعطوا المؤتمر ما كان يحتاجه أكثر من أي شيء: “غطاءً سودانياً” — هؤلاء يُشاركون، طوعاً أو جهلاً، في بناء الإطار الذي يُستخدم لاحقاً لإضعاف الشرعية الوطنية.
البعض منهم تحرّكه قناعات أيديولوجية طوّرها على مدى سنوات في صراعه مع الدولة السودانية. والبعض تحرّكه مصالح شخصية وطموحات سياسية تجد في الفوضى واستمرار الحرب الفرصة لتحقيق ما عجزت عنه في زمن الاستقرار. والبعض الثالث — ولعله الأكثر خطورةً — هو ذلك النوع الذي يظن صادقاً أنه يخدم السلام، بينما يُقدّم في الحقيقة خدمة مجانية لمن يُريد إطالة أمد الحرب وتدويل الأزمة بصورة تُقيّد الخيارات السيادية السودانية.
التاريخ لن يرحم هذه الفئة. لأن التاريخ يحكم على النتائج، لا على النيّات. وحين تُكتب صفحة هذه الحرب الأليمة يوماً ما، سيقف في قفص الاتهام ليس فقط من أشعل النار، بل أيضاً كل من أعطى الشعلة شرعيةً لم تكن لها.
ثامناً: ثلاثة مؤتمرات وأزمة واحدة — مقارنة كاشفة
لكي يكتمل الصورة، لا بد من أن نضع برلين في سياق مساره التاريخي المباشر: باريس، ثم لندن، ثم برلين.
باريس: انطلق وسط ترحيب واسع وآمال بأن دعماً دولياً جاداً سيُشكّل ضغطاً حقيقياً. جُمعت تعهدات، أُعلنت مبادرات، وصدرت بيانات. النتيجة على الأرض: صفر. الحرب واصلت مسارها وكأن المؤتمر لم يكن.
لندن: جاء في خضم تصاعد عمليات الجيش السوداني وانتعاش آمال عسكرية حقيقية في الميدان. أُعيد تدوير اللغة الدبلوماسية ذاتها، أُضيفت بعض التحسينات الإجرائية، واستُدعيت أطراف جديدة. النتيجة: تعقيدات إضافية، ولا حل.
برلين: يأتي والجيش السوداني يُسجّل تقدماً ميدانياً لافتاً، وهو توقيت يُثير تساؤلات جدية حول دوافع الإصرار على عقد هذا المؤتمر بالتحديد في هذا الظرف بالتحديد. مؤتمر يُعقد في أوج تقدم عسكري للدولة، ويسعى إلى وقف إطلاق نار — لمصلحة من تحديداً؟
النمط واضح لمن يريد أن يرى: كلما تقدّم الجيش السوداني ميدانياً، تصاعدت حدة الضغط الدبلوماسي الدولي باتجاه “وقف إطلاق النار” والحلول التفاوضية. هذا التزامن المتكرر ليس مصادفةً، بل هو سياسة.
تاسعاً: ماذا يريد السودانيون فعلاً؟ — صوت غائب في قاعات الضجيج
وسط كل هذا الضجيج الدولي، ضاع شيء جوهري: ما الذي يريده الشعب السوداني فعلاً؟
الشعب السوداني يريد أن تتوقف الحرب — نعم. لكنه لا يريد أن تتوقف بثمن تقسيم البلاد أو إضفاء شرعية على ميليشيا ارتكبت ما ارتكبته في الخرطوم والجزيرة والفاشر وسائر ولايات السودان. يريد المساعدات الإنسانية — نعم. لكنه لا يريد أن تتحوّل تلك المساعدات إلى ذريعة لتجاوز سيادة دولته وهيمنة أجانب على قرارها. يريد السلام — نعم. لكنه يريد سلاماً يصنعه هو، لا سلاماً يُفرض عليه من برلين أو باريس أو أي عاصمة أخرى لا تحمل ثمنه ولا تُحسّ بألمه.
هذا الصوت السوداني لا يُسمع في قاعات برلين. ليس لأن السودانيين لا يتحدثون، بل لأن لا أحد هناك يريد فعلاً أن يسمع. فكلام الشعوب المتضررة يُعقّد المعادلات، والمعادلات المُعقَّدة لا تُنتج البيانات الأنيقة التي تحتاجها المؤتمرات.
عاشراً: ما الذي يُنهي هذه الحرب فعلاً؟ — خارج أوهام برلين
إذا كانت المؤتمرات الدولية ليست الحل، وإذا كان الضغط الدبلوماسي هشّاً، فما الذي يُنهي هذه الحرب فعلاً؟
التاريخ يُعطينا إجابةً واضحة: الحروب تنتهي عندما يتغيّر ميزان الأرباح والخسائر لدى جميع الأطراف المنخرطة، بمن فيهم اللاعبون الخارجيون. وهذا يعني عدة مسارات متوازية:
أولها: الحسم الميداني. حين تُعيد القوات المسلحة السودانية السيطرة على مناطق استراتيجية كافية، تتغيّر حسابات الداعمين الإقليميين للميليشيا. لأن الرهان على ميليشيا خاسرة ميدانياً مُكلف سياسياً وأمنياً، وسيجد الداعمون أنفسهم في مواجهة معادلة تكلفة لا يريدون تحمّلها.
وثانيها: الضغط المنظّم على خطوط التمويل. حين تُغلق خطوط تمويل الميليشيا وتُجفَّف مصادرها — الذهب، الدعم الخارجي، الاقتصاد الموازي — تُصبح الحرب تقنياً غير مستدامة لأحد الطرفين.
وثالثها: الوحدة الوطنية الداخلية. كلما كان السودانيون أكثر وضوحاً وأكثر وحدةً حول رفض أي مسار يُشرعن الميليشيا أو يُجزّئ الدولة، كلما ضاقت هامش المناورة على من يحاول بناء “سودان بديل” من برلين.
خاتمة: برلين ليست بداية حل — بل نهاية وهم
لن تُكتب نهاية هذه الحرب في قاعات برلين. هذه الحقيقة باتت أوضح من أن تحتاج إلى إثبات بعد ثلاثة مؤتمرات فاشلة في ثلاث عواصم كبرى.
برلين 2026 هو آخر فصول مسرحية دبلوماسية بدأت بوعود كاذبة في باريس، وتواصلت بتأجيل في لندن، وتنتهي باعتراف ضمني في برلين: أن العالم فشل في السودان، وأن الدبلوماسية الدولية فشلت، وأن المؤتمرات أصبحت بديلاً عن الفعل لا طريقاً إليه.
لكن هذا الاعتراف، مهما كان مؤلماً، هو أيضاً تحرير. لأنه يضع المسؤولية في مكانها الحقيقي: على الشعب السوداني وجيشه وقياداته السياسية الوطنية. ليس من باب الوطنية العاطفية، بل من باب قراءة الواقع بصدق: لا أحد خارج السودان يريد لهذه الحرب أن تنتهي بشروط السودانيين. وبالتالي فإن كل رهان على برلين أو غيرها هو رهان على لا شيء.
النهاية الحقيقية لن تُكتب في قاعات المؤتمرات. ستُكتب في الميدان حين تُحسم موازين القوى. وستُكتب في اقتصاد الحرب حين تُجفَّف مصادر تمويلها. وستُكتب في الضمير السوداني الجمعي حين يرفض كل سوداني وسودانية — في الداخل والشتات — أن يُعطي أي شكل من أشكال الشرعية لمن يُساوم بوطنه في برلين أو في سواها.
نحن لا نشاهد مؤتمراً. نحن نشهد سقوط نموذج كامل لإدارة العالم. وكلما أسقطنا أوهامنا بشأن هذا النموذج مبكراً، كانت قدرتنا على بناء مسارنا المستقل أقوى وأمتن.
السودان لن يُهزم في برلين — لأن السودان لم يُبنَ في برلين أصلاً.
✍️ خالد المرصد | محلل جيوسياسي — رصد
