في خطوة تصعيدية لافتة في الموقف الأمريكي من الحرب الدائرة في السودان، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في التاسع من ديسمبر 2025 فرض عقوبات مشددة على أربعة أفراد وأربع شركات، متهمةً إياهم بتشكيل شبكة دولية منظّمة تعمل على تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين وتوجيههم للقتال في صفوف قوات الدعم السريع السودانية. وجاء الإعلان محمّلاً بلغة دبلوماسية حادة، إذ وصفت واشنطن الوضع في السودان بأنه يشكّل تهديداً مباشراً للأمن القومي الأمريكي والاستقرار الإقليمي والدولي، مجددةً دعوتها إلى هدنة إنسانية فورية لمدة ثلاثة أشهر دون شروط مسبقة.

هذا التطور يأتي في سياق حرب لم تهدأ منذ اندلاعها في أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، حرب وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ إنسانياً على مستوى العالم، مع ما يزيد على عشرة ملايين نازح داخلي وخارجي وعشرات الآلاف من الضحايا المدنيين.


أولاً: العقوبات الأمريكية — من هم المستهدفون؟

أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية عن استهداف شبكة عابرة للحدود تتكون في معظمها من مواطنين كولومبيين وشركات مرتبطة بهم. وقال وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية جون ك. هيرلي في تصريحاته الرسمية:

“الخزانة تستهدف شبكةً تجنّد مقاتلين لصالح قوات الدعم السريع. لقد أثبتت هذه القوات مراراً وتكراراً أنها مستعدة لاستهداف المدنيين — بمن فيهم الرضّع والأطفال. وحشيّتها عمّقت الصراع وزعزعت استقرار المنطقة، وهيّأت الظروف لنمو الجماعات الإرهابية.”

— جون ك. هيرلي، وكيل وزارة الخزانة، 9 ديسمبر 2025

المستهدفون بالعقوبات — أربعة أفراد وأربع شركات:

١. ألفارو أندريس كيخانو بيسيرا — ضابط كولومبي سابق يحمل جنسية مزدوجة كولومبية-إيطالية، ويقيم حالياً في الإمارات العربية المتحدة. وهو المؤسس المشارك لوكالة “إنترناشيونال سيرفيسز أيجنسي” (A4SI) ومقرها بوغوتا، التي وصفتها الخزانة الأمريكية بأنها “العقدة الرئيسية للتجنيد” في هذه الشبكة. وتشير التقارير إلى ارتباطه سابقاً بكارتل نورتي دي فالي الكولومبي، مما يكشف عن الطابع الإجرامي العابر للحدود لهذه الشبكة.

٢. كلوديا فيفيانا أوليفيروس فورييرو — زوجة كيخانو، وتشغل منصب المالكة والمديرة التنفيذية لشركة A4SI. كما كانت رئيسةً وأمينة صندوق لشركة “غلوبال ستافينغ S.A.” في بنما، وهي شركة توظيف مرتبطة بـ A4SI استُخدمت لتقليص المسؤولية القانونية المباشرة للشبكة وإخفاء الصلات بين الشركتين والجهة الموظِّفة للمرتزقة.

٣. ماتيو أندريس دوكي بوتيرو — يحمل الجنسيتين الكولومبية والإسبانية، ويدير شركة “مين غلوبال كورب S.A.S.” في بوغوتا، التي تتولى إدارة رواتب المرتزقة وصرفها، وتسهيل عمليات تحويل العملة عبر مؤسسات مالية أمريكية.

٤. مونيكا مونيوز أوكروس — مرتبطة بشركة “مين غلوبال كورب”، وتدير أيضاً شركة “كوميرسياليزادورا سان بينديتو” المتخصصة في تسهيل التحويلات المالية الدولية لصالح الشبكة.

تشير تقديرات الخزانة الأمريكية إلى أن المبالغ المالية التي جرى تحويلها لصالح هذه الشبكة بين عامَي 2024 و2025 بلغت “ملايين الدولارات الأمريكية”، معظمها عبر قنوات مالية تمر بالنظام المصرفي الأمريكي.


ثانياً: آلية عمل الشبكة — كيف تتدفق المرتزقة إلى السودان؟

لا تعمل هذه الشبكة بشكل عشوائي، بل وفق آلية منظّمة تعتمد على تقسيم الأدوار بين جهات التجنيد والتمويل واللوجستيات.

مرحلة التجنيد: تقوم شركة A4SI بالتواصل مع عسكريين كولومبيين سابقين، مستغلةً العلاقات المهنية والشبكات الاجتماعية في أوساط المحاربين القدامى. وقد أفادت تقارير صحيفة “لا سيلا فاسيا” الكولومبية الاستقصائية بأن وثائق مسرّبة تكشف أن شركة مسجّلة في الإمارات العربية المتحدة هي من تعاقدت مع A4SI مباشرةً لتوريد مئات الجنود السابقين.

مرحلة التوجيه والنقل: يسلك المرتزقة مسارين رئيسيين للوصول إلى السودان:

  • المسار الأول: من كولومبيا أو الإمارات مباشرةً إلى نيالا في دارفور عبر تشاد.
  • المسار الثاني: إسبانيا ← إثيوبيا ← بوساسو (الصومال) ← نجامينا (تشاد) ← نيالا (دارفور). وفي أكتوبر 2025، نشر موقع “ميدل إيست آي” لقطات حصرية تُظهر عشرات الكولومبيين ينزلون من طائرة في مطار بوساسو متجهين نحو معسكر قريب.

مرحلة التمويل: تتولى “مين غلوبال كورب” و”كوميرسياليزادورا سان بينديتو” إدارة المدفوعات وتحويل العملات عبر مؤسسات مالية أمريكية، مما يجعل النظام المصرفي الأمريكي — دون علمه — جزءاً من آلية تمويل مرتزقة حرب.

الأدوار الميدانية: بمجرد وصولهم، يضطلع الكولومبيون بمهام عسكرية متعددة تشمل: القتال كمشاة ومدفعيين، وقيادة الطائرات المسيّرة (الدرونز)، وتشغيل المركبات القتالية، والتدريب — بل إن بعضهم يتولى تدريب أطفال على القتال لصالح قوات الدعم السريع، وهو ما وصفه مسؤول الخزانة الأمريكي بأنه من أبشع الجرائم الموثّقة في هذا الملف.


ثالثاً: سقوط الفاشر — شاهد على دور المرتزقة

في السادس والعشرين من أكتوبر 2025، سقطت مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور في يد قوات الدعم السريع، بعد حصار متواصل امتد ثمانية عشر شهراً. وكانت الفاشر آخر معاقل الجيش السوداني في دارفور، وملجأً لملايين النازحين الذين فرّوا من بطش الدعم السريع في مناطق أخرى.

تؤكد الخزانة الأمريكية أن المقاتلين الكولومبيين قدّموا الدعم الحاسم في المعارك الحضرية وضربات الطائرات المسيّرة خلال هذا الحصار. وبعد سقوط المدينة مباشرةً، رصدت شهادات الناجين وتحليلات صور الأقمار الاصطناعية جرائم موثّقة تشمل:

  • عمليات إعدام ميداني جماعي لرجال وصبية، حتى الرضّع منهم.
  • تعذيب ممنهج ذو طابع عرقي يستهدف مجتمعات بعينها.
  • اعتداءات جنسية جماعية موثّقة على النساء والفتيات.
  • حصار كامل لوصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين.

وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أعلنت في السابع من يناير 2025 قرارها الرسمي بأن قوات الدعم السريع ارتكبت جريمة إبادة جماعية بحق مجتمعات المساليت في غرب دارفور — وهو تحديد قانوني ودبلوماسي له تداعيات بالغة على مستوى القانون الدولي والمساءلة الجنائية.


رابعاً: ما الموقف الأمريكي الرسمي من الأزمة؟

تصاعدت حدة اللهجة الأمريكية بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة. فقد وصفت وزارة الخزانة الأمريكية الحرب في السودان بأنها أشعلت “أسوأ أزمة إنسانية جارية في العالم”، مؤكدةً أن الوضع السوداني يهدد الأمن القومي الأمريكي ويُزعزع الاستقرار الإقليمي والدولي.

وجددت واشنطن التزامها بمبادئ “البيان المشترك لاستعادة السلام والأمن في السودان” الصادر في الثاني عشر من سبتمبر 2025، والذي يدعو إلى:

  • هدنة إنسانية فورية لمدة ثلاثة أشهر دون شروط مسبقة.
  • وقف دائم لإطلاق النار في مرحلة لاحقة.
  • مرحلة انتقالية شفافة تُفضي إلى حكومة مدنية مستقلة.

كما طالبت الولايات المتحدة بوضوح جميعَ الأطراف الخارجية بوقف الدعم المالي والعسكري لأطراف النزاع — وهي رسالة تحمل في طياتها إشارة غير مباشرة إلى الإمارات العربية المتحدة.


خامساً: الدور الإماراتي — الغائب الحاضر في العقوبات

من اللافت في هذه العقوبات أنها استهدفت الشبكة الكولومبية-البنمية دون أن تُسمّي الإمارات صراحةً رغم الأدلة المتراكمة. وفي هذا السياق تبرز وقائع عدة:

  • أكد موقع “ميدل إيست آي” أن وثائق مسرّبة من كولومبيا تكشف أن شركة مسجّلة في الإمارات هي من تعاقدت مباشرةً مع A4SI لتوريد المرتزقة.
  • في سبتمبر 2025، قدّمت حكومة السودان شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي تزعم فيها أن الإمارات رعت تجنيد المرتزقة الكولومبيين عبر شركتين خاصتين مسجّلتين في دبي. وقدّر الممثل السوداني لدى الأمم المتحدة عدد الكولومبيين بين 350 و380 مرتزقاً، معظمهم ضباط وجنود متقاعدون.
  • في أغسطس 2025، أسقط الجيش السوداني طائرة كانت تُقلّ 40 مرتزقاً كولومبياً مع شحنة أسلحة يُشار إلى أنها كانت في طريقها للدعم السريع.
  • أكدت مصادر صومالية رفيعة المستوى لموقع “ميدل إيست آي” أن الإمارات تستخدم مطار بوساسو لنقل مواد لوجستية ثقيلة إلى الدعم السريع عبر تشاد.

نفت الإمارات جميع هذه الاتهامات ووصفت الأدلة المقدّمة بأنها “ملفّقة”. ويرى محللون أن قرار واشنطن بعدم إدراج الإمارات في العقوبات يعكس حسابات جيوسياسية دقيقة تتعلق بالعلاقات الاستراتيجية مع أبوظبي، لا سيما في ظل التوترات القائمة مع إيران وملفات المنطقة الأشمل.


سادساً: ردود الفعل الدولية

كولومبيا: أعلنت الحكومة الكولومبية في مطلع ديسمبر 2025 اعتذارها الرسمي للسودان عن تورط مواطنيها في الصراع، وحذّرت مواطنيها صراحةً من السفر إلى مناطق النزاع. لكن المسؤولين يؤكدون أن هؤلاء يتصرفون بصفة فردية لا باسم الدولة الكولومبية.

مجلس الأمن الدولي: فشل مجلس الأمن حتى الآن في اتخاذ إجراءات ملزمة بسبب الانقسامات الجيوسياسية بين أعضائه الدائمين، رغم تقارير لجان الخبراء الموثّقة لانتهاكات الدعم السريع.

الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية: وصف مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الأزمة السودانية بأنها واحدة من أكبر أزمات التهجيير في التاريخ المعاصر. كما وثّقت لجان أممية جرائم موثّقة تشمل القتل الجماعي والاغتصاب المنهجي واستخدام الأطفال الجنود والحصار المتعمد للمساعدات.


سابعاً: السودان — الحرب التي تُعيد رسم القارة

تكشف هذه المستجدات عن حقيقة يتجاهلها كثيرون: الحرب في السودان لم تعد شأناً داخلياً. إنها ساحة تقاطعت فيها مصالح دولية وإقليمية متشابكة، وتحوّلت إلى سوق مفتوحة للمرتزقة، وتهديد حقيقي لأمن حوض النيل وسلامة الممر البحري الأحمر.

كولومبيا، التي كانت تُصدّر لاجئين من حرب داخلية، باتت تُصدّر مرتزقة محترفين عبر الإمارات إلى أفريقيا. أما السودان، أكبر الدول العربية والأفريقية مساحةً قبيل انفصال الجنوب، فيتحوّل إلى بؤرة فوضى تجتذب الجماعات المسلحة وتُتيح البيئة للتنظيمات الإرهابية للتمدد — وهو ما حذّر منه مسؤول الخزانة الأمريكي صراحةً.

وتُجسّد قضية المرتزقة الكولومبيين ظاهرة أوسع تتنامى عالمياً: خصخصة الحرب، حيث تُستبدل الجيوش الرسمية بمقاتلين بالأجر، تجمعهم شبكات مالية معقدة تعبر القارات ولا تعترف بأي قانون سوى قانون الربح.


خاتمة: هل تُوقف العقوبات نزيف الدم؟

العقوبات الأمريكية خطوة ذات دلالة رمزية وعملية، لكنها لن تكون كافية وحدها لإيقاف تدفق المرتزقة ما دامت شبكات التمويل العميقة لا تزال تعمل بعيداً عن الرادار. تجميد أصول أربعة أفراد وأربع شركات لن يُوقف آلةً تُغذّيها ملايين الدولارات وإرادة سياسية إقليمية تستثمر في استمرار الفوضى.

السودان يحتاج اليوم إلى أكثر من عقوبات: يحتاج إلى وقف حقيقي لإطلاق النار، وإلى محاسبة دولية جادة تطال كل من موّل هذه الحرب أو أمدّها بالسلاح والرجال، ويحتاج إلى إرادة دولية لا تكتفي بإدانة الإبادة الجماعية بياناً، بل تتحرك لوضع حدٍّ لها فعلاً — قبل أن تُكتب صفحة دارفور الجديدة بحبر الدم ذاته.


المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *