بقلم: خالد المرصد | رصد — 22 أبريل 2026
لم تكن إيران في يومٍ ما مجرد دولة إقليمية بمطامح محلية. وواشنطن بدورها لم تنظر يوماً إلى طهران كطرف مساوٍ في الحسابات الاستراتيجية. لكن ما جرى منذ الثامن والعشرين من فبراير 2026 كسر قواعد اللعبة كلها، وزرع في قلب الشرق الأوسط حالةً من الغموض لم تعرفها المنطقة منذ عقود.
حرب حقيقية، لا تهديدات على تويتر. صواريخ سقطت على منشآت نووية، وغواصات أمريكية في مياه الخليج، وقائد الحرس الثوري الإيراني اغتيل في الأسابيع الأولى، ومضيق هرمز صار أشبه بساحة شطرنج تتحرك فيه البيادق بدماء حقيقية. والسؤال الذي لا يفارق متابعي الشأن الجيوسياسي اليوم: هل الهدنة الهشّة التي مدّدها ترامب في آخر لحظة بوابةٌ نحو سلام، أم هي مجرد نفَسٌ قبل جولة أعنف؟
كيف بدأت الحرب التي لم يريدها أحد — رسمياً
في الثامن والعشرين من فبراير 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية مشتركة على إيران، أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى وعدد من كبار المسؤولين، فضلاً عن تدمير واسع للمنشآت العسكرية والنووية. كان الأمر مفاجئاً في توقيته، لكنه لم يكن مفاجئاً في سياقه؛ إذ سبقه شهر كامل من الدبلوماسية المتعثرة التي طالبت فيها الإدارة الأمريكية بتفكيك البرنامج النووي الإيراني كاملاً، ووضع قيود على الصواريخ الباليستية، وقطع الدعم عن الجماعات المسلحة في لبنان واليمن والعراق، وهي مطالب رفضتها طهران جملةً وتفصيلاً.
ولفهم الجذور العميقة للأزمة: في عام 2018 انسحب ترامب من اتفاقية JCPOA النووية واصفاً إياها بـ”أسوأ صفقة في التاريخ”، قبل أن يعود في ولايته الثانية مطالباً بشروط أكثر إحكاماً. إيران من جهتها لم تنتظر؛ رفعت نسب التخصيب، راكمت اليورانيوم، وكشفت مصادر مطّلعة أن في حوزتها ما يكفي من اليورانيوم المخصَّب بنسبة 60٪ لصنع أحد عشر سلاحاً نووياً.
“طالبت الإدارة الأمريكية بشروط أقسى من اتفاقية 2015 — وطهران ردّت برفع التخصيب لا بخفضه.”
الخط الزمني للأزمة — من الضربة إلى التمديد
| التاريخ | الحدث |
|---|---|
| 28 فبراير 2026 | ضربات أمريكية إسرائيلية مشتركة على إيران. مقتل المرشد الأعلى وكبار القادة العسكريين. |
| 25 مارس 2026 | باكستان تُسلّم إيران مقترحاً أمريكياً من 15 نقطة. طهران ترفضه وتُقدّم مقترحاً مضاداً. |
| 7 أبريل 2026 | ترامب: “حضارة كاملة ستموت الليلة.” البيت الأبيض ينفي أي خطط لاستخدام السلاح النووي. |
| 8 أبريل 2026 | هدنة أسبوعين بوساطة باكستانية. إيران ترفض الإطار الأولي وتُقدّم مقترحاً من عشر نقاط. |
| 11–12 أبريل 2026 | أول جولة مفاوضات في إسلام آباد — 21 ساعة متواصلة دون اتفاق. الخلاف المحوري: الملف النووي. |
| 19 أبريل 2026 | مدمّرة أمريكية تضبط سفينة إيرانية في خليج عُمان. طهران تُعلن انتهاك الهدنة وتُجمّد مشاركتها. |
| 21 أبريل 2026 | ترامب يُمدّد الهدنة قبل ساعات من انتهائها بطلب باكستاني، دون تحديد مدة التمديد. |
مضيق هرمز: حين يصبح الممر النفطي سلاحاً جيوسياسياً
منذ اليوم الأول للحرب، أدركت طهران أن أوراقها العسكرية التقليدية خُرق كثير منها بالضربات الأولى، فلجأت إلى الورقة الأقوى والأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي: إغلاق مضيق هرمز، الممر الذي يعبره ما يقارب خُمس نفط العالم وغازه الطبيعي في أوقات الاستقرار.
النتيجة كانت فورية؛ قفزت أسعار النفط لتتجاوز تسعين دولاراً للبرميل وسط ذعر في الأسواق الدولية. أمريكا ردّت بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، ولم يتردد ترامب في التباهي بأن الحصار “يدمّر إيران تدميراً كاملاً”، مؤكداً أنه لن يُرفع حتى التوقيع على اتفاق. المفارقة أن كلا الطرفين يُعلن انتصاره، وكلا الطرفين يعاني — إيران تحت الحصار والضربات، وأمريكا تحت ضغط أسعار الوقود المرتفعة التي تُضعف شعبية الحرب في الداخل.
هدنة السابع من أبريل: عندما يكون الإنذار الأخير… ليس أخيراً
في السابع من أبريل لجأ ترامب إلى لغة الكارثة الوجودية؛ كتب على Truth Social: “حضارة كاملة ستموت الليلة، ولن تُعاد أبداً.” وحين سُئلت المستشارة الصحفية كارولين ليفيت عمّا إذا كان الرئيس مستعداً لاستخدام السلاح النووي، جاء ردّها لافتاً: “الرئيس وحده يعلم أين تقف الأمور وماذا سيفعل.”
لكن الكارثة لم تقع. في الثامن من أبريل توصّل الطرفان إلى هدنة من أسبوعين بوساطة باكستانية، بعد أن رفضت إيران الإطار الأولي وقدّمت مقترحاً مضاداً. وفي الحادي عشر والثاني عشر من أبريل التقت الوفود في إسلام آباد في أعلى مستوى للتفاوض الأمريكي الإيراني منذ ثورة 1979: قاد الجانب الأمريكي نائب الرئيس جي دي فانس ومبعوث ترامب ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، وعلى الجانب الإيراني حضر وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، في جلسات امتدت واحداً وعشرين ساعة دون اتفاق.
أسبوعان من الهدنة الهشّة: انتهاكات، أكاذيب، وسفينة محتجزة
لم تكن الهدنة يوماً سلاماً حقيقياً. منذ إعلانها لم يظهر أي مؤشر على رفع الحصار الإيراني لحركة السفن عبر هرمز، واتهم كل طرف الآخر بانتهاك بنود الوقف. الحادثة الأكثر إشعالاً للتوترات جاءت يوم الأحد التاسع عشر من أبريل، حين أقدمت مدمّرة أمريكية موجّهة بالصواريخ على إطلاق النار وضبط سفينة شحن ترفع العلم الإيراني كانت تحاول تجاوز الحصار في خليج عُمان. ردّت طهران بالغضب وأعلنت انتهاك الهدنة وجمّدت مشاركتها في أي جولة محادثات جديدة.
الأمر الذي زاد المشهد تعقيداً هو أسلوب ترامب في إدارة الأزمة عبر وسائل التواصل؛ أعلن في مقابلات متعددة أن إيران “وافقت على كل شيء”، وأن لقاءً وشيكاً سيُعقد “خلال يوم أو يومين”. الجانب الإيراني نفى هذه الادعاءات جملةً وتفصيلاً، فيما وصفت مصادر مطّلعة التصريحات بأنها “تفاوض عبر الصحافة” يُربك المسار الدبلوماسي ويُعطي إشارات متضاربة لكلا الطرفين.
“قال ترامب لمحطة PBS: لو لم يُبرم اتفاق فـ’قنابل كثيرة ستنفجر’. وفي اليوم ذاته كان الوفد الأمريكي يُعبّئ حقائبه نحو إسلام آباد — الحرب والدبلوماسية على مسارين متوازيين.”
نقاط الخلاف الجوهرية: ما الذي يفصل بين الحرب والسلام؟
| ملف الخلاف | الموقف الأمريكي | الموقف الإيراني |
|---|---|---|
| البرنامج النووي | تفكيك كامل وغير مشروط | رفض قاطع — “حق ثابت لا يُتنازل عنه” |
| مضيق هرمز | فتح فوري للملاحة الدولية | لا فتح إلا ضمن تسوية شاملة |
| الحصار البحري | أداة ضغط لا تُرفع قبل الاتفاق | شرط مسبق للجلوس على الطاولة |
| لبنان وحزب الله | غير مشمول في أي اتفاق مع إيران | وقف الاعتداءات على لبنان شرط لا يُساوَم |
| الضمانات الأمنية | لم تُطرح في أي مقترح أمريكي | ضمانات دولية + تعويضات حرب = شرط جوهري |
التمديد في الدقيقة الأخيرة: انتصار دبلوماسي أم استمرار التردد؟
في الحادي والعشرين من أبريل، وقبل ساعات قليلة فقط من انتهاء الهدنة، أعلن ترامب تمديدها استجابةً لطلب باكستان، منحاً إيران مهلةً إضافية لتقديم “مقترح موحّد”. رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عمل بجهد مكثّف لإقناع الطرفين باستمرار الحوار، فيما أبدى المسؤولون الباكستانيون ثقتهم بأن إيران ستُرسل وفداً للجولة الثانية في إسلام آباد.
لكن الردود الإيرانية جاءت مشحونة بالحذر؛ كتب مهدي محمدي، مستشار رئيس البرلمان الإيراني، على منصة X: “تمديد ترامب لا يعني شيئاً، الطرف الخاسر لا يملك حق إملاء الشروط.” في المقابل أوضح ترامب أن الجيش الأمريكي سيواصل الحصار البحري وسيبقى في حالة تأهب قصوى طوال فترة التمديد.
السيناريوهات المحتملة: ثلاثة مسارات لمنطقة تترقّب
السيناريو الأول — الاتفاق الإطاري (الأعلى احتمالاً): أكثر السيناريوهات واقعية وفق المحللين. يُجمّد الأعمال العدائية ويفتح مساراً تفاوضياً طويل المدى حول النووي دون تسوية نهائية فورية. تحدّثت خبيرة الطاقة كورنيليا ماير عن أن “توقّع تسوية سلام حقيقية يبدو بعيداً”، مستشهدةً بأن اتفاقية JCPOA نفسها استغرقت أكثر من عامين.
السيناريو الثاني — التصعيد المحدود (احتمال متوسط): إذا فشلت مباحثات إسلام آباد دون تمديد جديد، قد تُشنّ جولة ضربات محدودة تستهدف البنية التحتية الإيرانية دون تحوّل لحرب شاملة. هذا السيناريو خطير لأنه قد يُطلق ردوداً غير محسوبة من وكلاء إيران في العراق واليمن والمنطقة.
السيناريو الثالث — الانهيار الكامل (احتمال منخفض — تداعيات كارثية): لوّحت القوات الإيرانية باستهداف منشآت النفط في دول الجوار إذا استُؤنفت الضربات من أراضيها، وهو ما سيُشعل أزمة طاقة عالمية غير مسبوقة ويستدعي تدخّلاً صينياً وروسياً مباشراً.
اللاعبون في الظل: من يستفيد ومن يخسر؟
باكستان خرجت من هذه الأزمة بمكانة دبلوماسية نادراً ما تحظى بها؛ توسطها في هدنة أبريل وفّر لإسلام آباد ثقلاً إقليمياً وقناة اتصال فريدة مع كلا القطبين في وقت تبحث فيه عن موطئ قدم دولي.
الصين لم تكن غائبة البتة؛ أكدت الناطقة باسم البيت الأبيض أن بكين كانت جزءاً من مفاوضات الهدنة، وهو ما يعكس تمدداً صينياً دبلوماسياً في أعقاب تراجع الثقة بالوساطة الغربية.
دول الخليج تراقب بقلق بالغ؛ أي اتفاق يُعيد رسم التوازن النووي في المنطقة يمسّها مباشرة، فضلاً عن أن استمرار إغلاق هرمز يطال اقتصاداتها قبل غيرها.
ما يجري ليس مجرد أزمة نووية، بل هو إعادة ترتيب لمعادلة النفوذ في الشرق الأوسط برمّته. إيران أثبتت أنها قادرة على إيلام الاقتصاد العالمي دون امتلاك قنبلة نووية واحدة. أمريكا أثبتت قدرتها العسكرية لكنها عجزت حتى الآن عن تحويل القوة الصاروخية إلى تسوية سياسية. الفرق بين الحرب والسلام في هذه اللحظة ليس موقفاً أيديولوجياً — بل هو صفقة.
المصادر والمراجع
- CNN Politics — “A deal to end the Iran war seemed close. Then Trump started posting on social media” — 20 أبريل 2026
- CNBC — “Trump threatens Iran again as ceasefire deadline looms” — 20 أبريل 2026
- The Washington Times — “Trump says deal with Iran is still possible as ceasefire deadline nears” — 20 أبريل 2026
- NPR — “Trump extends U.S. ceasefire with Iran at Pakistan’s request” — 21 أبريل 2026
- PBS NewsHour — “U.S. delays new round of negotiations with Iran as ceasefire deadline nears” — 21 أبريل 2026
- CNBC — “‘New cards on the battlefield’: U.S., Iran ratchet up rhetoric” — 21 أبريل 2026
- Al Jazeera — “What was the Iran nuclear deal Trump dumped in search of better terms?” — 21 أبريل 2026
- Wikipedia — “2025–2026 Iran–United States negotiations” — محدّث أبريل 2026
- Wikipedia — “2026 Iran war ceasefire” — محدّث أبريل 2026
