السودان ثاني أكبر منتج للذهب في أفريقيا. في كل يوم تستمر فيه الحرب، يُستخرج ذهب، يُهرَّب، يُباع، ويتحول إلى سلاح. الحرب لا تحتاج إلى وقود خارجي — إنها تموّل نفسها بنفسها.

السودان والذهب — علاقة أقدم من الحرب

لم يكن الذهب السوداني سراً يوماً. منذ آلاف السنين، كانت مناطق النوبة والسودان الشمالي مصدراً رئيسياً للذهب في العالم القديم. الفراعنة المصريون شنّوا حملات عسكرية متعددة للسيطرة على مناجم النوبة. والذهب السوداني زيّن معابد الكرنك وأهرامات مروي على حد سواء.

اليوم، يحتل السودان المرتبة الثانية أفريقياً في إنتاج الذهب بعد غانا، ويُقدَّر إنتاجه الفعلي — بما يشمل التعدين غير الرسمي — بأكثر من 150 طناً سنوياً. بسعر السوق الحالي الذي يتجاوز 2300 دولار للأوقية، هذا يعني أكثر من 11 مليار دولار سنوياً.

من يسيطر على هذا الذهب يسيطر على الحرب. وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي” تعرف هذا جيداً — لأن حميدتي نفسه بنى ثروته الأولى من ذهب دارفور قبل أن يبني جيشه.

حميدتي وذهب دارفور — البداية الحقيقية

قصة حميدتي لا تبدأ بالسياسة — بل تبدأ بالذهب. في مطلع الألفية الثالثة، كان حميدتي يُدير قوافل الإبل في منطقة دارفور. لكنه سرعان ما أدرك أن الثروة الحقيقية ليست في تجارة الإبل — بل في منجم جبل عامر الذهبي في شمال دارفور.

جبل عامر، الذي يُعدّ أكبر منجم ذهب في السودان، وقع تحت سيطرة ميليشيات مرتبطة بحميدتي منذ عام 2013. التقارير الأممية وثّقت كيف تحوّل المنجم من موقع تعدين مدني إلى معقل مسلح يُدار بأساليب شبيهة بالاقتصاد الحربي.

شركة جلوبال كابيتال مانجمنت المرتبطة بعائلة حميدتي حصلت على امتيازات تعدين واسعة في مناطق متعددة. والأرباح لم تذهب إلى خزينة الدولة — بل ذهبت مباشرة إلى تمويل توسع قوات الدعم السريع.

الأرقام التي لا تُصدَّق

قبل الحرب، كان السودان ينتج رسمياً ما بين 80 و100 طن من الذهب سنوياً. لكن الرقم الحقيقي — بما يشمل التعدين غير الرسمي — يتجاوز 150 طناً. في عام 2021 وحده، صدّر السودان رسمياً ذهباً بقيمة 2.5 مليار دولار — لكن الخبراء يُقدّرون أن ضعف هذا المبلغ على الأقل غادر البلاد عبر قنوات غير رسمية.

هذا التفاوت الضخم بين الأرقام الرسمية والواقع يُشير إلى منظومة تهريب منظمة وممنهجة — ليست عمليات فردية، بل شبكة مؤسسية.

خريطة السيطرة على المناجم

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، سيطرت RSF على معظم مناطق التعدين الرئيسية في السودان:

  • جبل عامر في شمال دارفور — أكبر منجم ذهب في السودان، تحت سيطرة RSF منذ 2013، وتوسّعت السيطرة بعد 2023
  • منطقة كردفان — خطوط إمداد مفتوحة نحو ليبيا وتشاد، وعمليات تعدين واسعة
  • ولاية نهر النيل — مناجم استراتيجية كانت تحت سيطرة الجيش، وتدور معارك عليها حتى اليوم
  • منطقة البطانة شرق السودان — مناطق تعدين تقليدية تعرضت لتوسع RSF المتدريج

الجيش السوداني يسيطر على بعض المناطق الشمالية — لكن RSF تمسك بالجزء الأكبر والأغنى من مناطق التعدين.

كيف يتحول الذهب إلى سلاح؟

المسار بسيط ومُحكَم في آن واحد:

أولاً — الاستخراج: عمال مناجم يعملون تحت إشراف RSF مباشرة أو يدفعون “إتاوة” تتراوح بين 10% و30% من قيمة الإنتاج للسماح لهم بالعمل. من يرفض يُطرد أو يختفي. التعدين اليدوي غير الرسمي يُوظّف مئات الآلاف من السودانيين الفقراء الذين لا يملكون خياراً.

ثانياً — التهريب: الذهب يخرج عبر ثلاثة مسارات رئيسية — ليبيا شمالاً عبر الصحراء الكبرى، تشاد غرباً عبر المناطق القبلية، وأوغندا جنوباً. المسار الأكثر استخداماً يمر عبر الأراضي الليبية إلى مطارات غير رسمية، ومنها مباشرة إلى دول الخليج.

ثالثاً — البيع: دبي كانت تاريخياً المحطة الأولى لبيع الذهب السوداني غير الرسمي. تقارير متعددة من منظمة Global Witness وفريق خبراء الأمم المتحدة وثّقت وصول شحنات ذهب سودانية لمصافي الإمارات. روسيا دخلت على الخط عبر شركة فاغنر قبل تفككها — وتقارير تُشير إلى استمرار بعض هذه العلاقات تحت مسميات مختلفة.

رابعاً — شراء السلاح: العملة تعود سلاحاً وذخيرة ورواتب لمقاتلي RSF. الحلقة مغلقة تماماً — الذهب السوداني يُسقط السودانيين.

دور الإمارات — الحليف الصامت

هذه النقطة هي الأكثر حساسية والأقل تناولاً في الإعلام العربي — لأن كثيراً من هذا الإعلام يعمل في بيئة لا تُشجّع على انتقاد أبوظبي.

تقارير من فريق خبراء الأمم المتحدة، ومنظمة Global Witness، وصحيفة Financial Times وثّقت جميعها تدفق الذهب السوداني نحو الإمارات. دبي تستورد كميات من الذهب لا تتوافق مع ما تُعلنه دول المنشأ رسمياً — والفجوة تُشير إلى ذهب “مجهول المصدر” يدخل النظام المالي العالمي عبر الإمارات.

الإمارات نفت أي دور في تمويل الحرب. لكن السؤال ليس عن النية — بل عن النتيجة: الذهب يصل، يُنقّى، يُباع في الأسواق الدولية، والعائد يعود إلى من يملك المنجم. وحميدتي يملك المنجم.

يُضاف إلى ذلك أن حميدتي زار الإمارات مرات عدة قبيل اندلاع الحرب، وأن علاقات الأعمال بين عائلته والشركات الإماراتية موثّقة ومعروفة.

فاغنر والذهب — الفصل الروسي

مجموعة فاغنر الروسية لم تأتِ إلى أفريقيا بدوافع أيديولوجية — بل بدوافع اقتصادية بامتياز. في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا والسودان، كان النموذج واحداً: حماية أمنية مقابل امتيازات تعدين.

في السودان، وثّقت تقارير متعددة وجود عناصر فاغنر في مناطق التعدين السودانية منذ عام 2017. بعد مقتل بريغوجين عام 2023، تشير التقارير إلى استمرار هذه العلاقات تحت مظلة هياكل روسية بديلة.

الذهب السوداني بالنسبة لروسيا ليس مجرد مال — إنه أيضاً أداة لتجاوز العقوبات الغربية وضخ موارد في الاقتصاد الحربي الروسي.

ماذا يعني هذا للحرب؟

يعني أن الحرب في السودان ليست أزمة يمكن حلها بوقف إطلاق النار وحده. طالما أن RSF تسيطر على مناجم الذهب، فإنها تملك تمويلاً ذاتياً لا ينضب. كل يوم تستمر فيه الحرب يعني ملايين الدولارات تتدفق إلى جيب من يملك الأرض.

الجيش السوداني يعاني من شُح التمويل المقارن. دول الخليج التي دعمت الخرطوم تاريخياً باتت تتحسب في موقفها. والمجتمع الدولي يتحدث عن “حل سياسي” دون أن يلمس شريان الحرب الحقيقي.

أي مفاوضات سلام لا تتضمن آلية واضحة لإعادة السيطرة على مناطق التعدين للدولة السودانية — هي مفاوضات ناقصة في جوهرها، مهما بلغ تعقيدها الدبلوماسي.

الثمن الإنساني

الحديث عن الذهب والأرقام قد يُنسينا أن هناك بشراً يدفعون الثمن. في مناطق التعدين التي تسيطر عليها RSF، وثّقت منظمات حقوق الإنسان انتهاكات ممنهجة: تهجير قسري للسكان المحليين، استخدام العمل القسري، وقتل من يرفض الخضوع.

عمال المناجم اليدويون — وكثير منهم أطفال — يعملون في ظروف خطرة دون أي حماية قانونية، ويتقاضون أجوراً بائسة بينما تذهب معظم الأرباح إلى قادة الميليشيا.

هذا هو الوجه الآخر لكل سبيكة ذهب سودانية تصل إلى أسواق جنيف ودبي ولندن.

السؤال الذي لا أحد يجيب عليه

إذا كانت الأمم المتحدة تعرف مسارات تهريب الذهب، وإذا كانت التقارير الدولية توثّق الوجهات النهائية — فلماذا لا تُفرض عقوبات فعلية على الجهات المستفيدة؟

الجواب ليس في القانون الدولي — بل في المصالح. الذهب السوداني يدخل سلاسل توريد عالمية. فرض عقوبات حقيقية يعني إزعاج أسواق ومصافٍ وحكومات لا تريد أن تُزعج. والدول الكبرى التي تتحدث عن السلام السوداني في مجلس الأمن — بعضها يستفيد اقتصادياً من استمرار الفوضى.

خلاصة رصد

الحرب في السودان ليست حرب قبائل ولا صراع جيوش فحسب. إنها حرب موارد في جوهرها — وطالما بقي الذهب السوداني يتدفق بحرية إلى أسواق دولية راغبة وصامتة، فإن نهاية الحرب ليست في الأفق.

وقف الحرب يبدأ من وقف تمويلها. وهذا يبدأ من فرض رقابة حقيقية على مسارات الذهب السوداني — من المنجم إلى المصفاة إلى السوق. وهذا بدوره يتطلب إرادة دولية لم تظهر حتى الآن.

والسوداني العادي — الذي لا يملك ذهباً ولا سلاحاً — يدفع الثمن كل يوم.

رصد — تحليل مستقل · أخبار موثوقة
rasad.press