قاعدة إثيوبية لدعم «الدعم السريع».. ثلاث سنوات من الحرب وأفق الصراع الإقليمي يتسع
بعد ثلاث سنوات تقريباً من اشتعال الحرب في السودان — تلك الحرب التي انفجرت فجر الخامس عشر من أبريل 2023 دون سابق إنذار — يظهر تقرير جديد ليُسقط آخر الأوهام: هذا ليس صراعاً داخلياً بين جنرالين. هذه حرب إقليمية بالوكالة، ولها عناوين وعواصم.
التقرير الذي تناقلته مصادر استخباراتية وتحليلية هذا الأسبوع يتحدث عن قاعدة على الأراضي الإثيوبية تُستخدم لدعم قوات الدعم السريع لوجستياً وتدريبياً. ولو صحّ ذلك — وكل المؤشرات تقول إنه صحيح — فإن الحرب السودانية قد انتقلت رسمياً إلى مرحلة مختلفة تماماً.
الذكرى الثالثة: ما الذي تغيّر؟
في الخامس عشر من أبريل 2023، استيقظ السودان على صوت الرصاص والطائرات فوق الخرطوم. الجميع توقعوا أن المعركة ستنتهي في أيام. ثلاث سنوات مضت. والحرب لا تزال تأكل.
الأرقام وحدها تُقرأ بصمت: مئات الآلاف من الضحايا، أكثر من عشرة ملايين نازح، مدن كاملة دُمّرت. الخرطوم التي كانت عاصمة دولة أصبحت ساحة معركة. ودارفور التي عاشت مأساتها الأولى قبل عقدين تعيش الآن مأساة أخرى أشد فتكاً.
لكن الأهم من كل هذا: ما الذي تغيّر في بنية الصراع؟ والإجابة المختصرة هي: كل شيء تغيّر.
إثيوبيا في الصورة: من؟ ولماذا؟
التقرير الجديد ليس مفاجأة لمن تابع مسار الحرب عن كثب. إثيوبيا وتوغلات الدعم السريع في المناطق الحدودية كانت إشارات لم يقرأها العالم جيداً. والآن يصبح الأمر واضحاً: أديس أبابا لا تُريد سوداناً قوياً وموحداً على حدودها الغربية.
السبب ليس غامضاً. إثيوبيا تخوض أزمات داخلية متراكمة — من أزمة تيغراي إلى الصراع مع إريتريا إلى المطامع في المنافذ البحرية. سودان ضعيف ومنقسم يُريحها أكثر من سودان مستقر تحت قيادة جيش وطني قوي.
وإذا أضفنا إلى ذلك الأدوار الخارجية الموثقة في دعم الدعم السريع عبر خطوط تمر بأفريقيا الوسطى وليبيا، تتضح الخريطة: الدعم السريع ليس ميليشيا عابرة. هو مشروع جيوسياسي يمتد من الخليج إلى القرن الأفريقي.
الجيش السوداني: تقدّم ميداني في مواجهة ضغط إقليمي
في خضم هذا كله، حقق الجيش السوداني خلال الأسابيع الأخيرة تقدماً ميدانياً لافتاً. استعادة مواقع استراتيجية، وتضييق الخناق على تمركزات الدعم السريع في ولايات عدة. البرهان، الذي احتفل باستعادة القصر الرئاسي، يُرسل رسالة واضحة: المعادلة تتغير.
لكن الجيش يواجه الآن معضلة أعمق: كيف تكسب حرباً داخلية وأنت محاط بقوى إقليمية تُغذّي عدوّك؟ هذا ما يجعل كشف الدور الإثيوبي مهماً جداً، ليس فقط عسكرياً بل دبلوماسياً.
الرد السوداني على هذا التقرير لم يصدر بعد بشكل رسمي. لكن مصادر مطلعة تشير إلى أن الخرطوم تُراكم الأدلة، وأن الملف سيُرفع إلى مجلس الأمن قريباً.
ثلاثة سيناريوهات: إلى أين يذهب الصراع؟
الأول — حسم عسكري سوداني: إذا واصل الجيش تقدمه واستعاد المدن الكبرى، يضيق الخناق تدريجياً على الدعم السريع. لكن هذا السيناريو يستلزم وقفاً لتدفق الدعم الخارجي، وهو ما يصعب تحققه بوجود اللاعبين الإقليميين.
الثاني — تحوّل إلى حرب عصابات طويلة: يلجأ الدعم السريع إلى تكتيكات الاستنزاف في دارفور وكردفان، بدعم لوجستي مستمر عبر الحدود الإثيوبية وغيرها. الحرب لا تنتهي، لكن لا أحد يربحها.
الثالث — تدويل الصراع وإقليمته: تتصاعد الضغوط الدولية، ويُجبر الطرفان على مفاوضات لن تُعيد السودان كما كان. هذا السيناريو يناسب أعداء الدولة السودانية الموحدة أكثر مما يناسب شعبها.
ما الذي يريده الشعب السوداني؟
هذا السؤال لم يعد ترفاً فكرياً. الشعب السوداني الذي يعيش تحت القصف، ويهرب من مدينة إلى مدينة، ويدفن أبناءه في مقابر مؤقتة — هذا الشعب لديه إجابة واحدة: وطن. وطن يقف على قدميه. دولة لا تُباع على موائد الإقليم.
ثلاث سنوات من الحرب لم تُكسر الإرادة السودانية. والجيش الذي يتقدم اليوم على الأرض يحمل ليس فقط بنادق بل أمل ملايين السودانيين أن تكون هناك نهاية تليق بتضحياتهم.
لكن النهاية لن تأتي ما لم يُكشف عن كل من يغذّي هذه الحرب من خارج الحدود. الشعب السوداني يستحق أكثر من مجرد وقف إطلاق نار. يستحق محاسبة. ويستحق حقيقة كاملة.
تحليل: خالد المرصد | رصد | 11 أبريل 2026
