شاب في القاهرة يقضي 6 ساعات يومياً على تيك توك. شابة في الرياض تتابع 340 حساباً على إنستغرام. رجل في الدار البيضاء يشاهد يوتيوب حتى الفجر. ثلاثتهم يستهلكون — ولا أحد منهم ينتج شيئاً يبقى.
الرقم الذي يجب أن يُحرجنا
العرب يمثلون نحو 5% من سكان العالم. لكن حصة اللغة العربية من محتوى الإنترنت العالمي لا تتجاوز 3% — وبعض الدراسات تقول أقل من ذلك.
قارن هذا بالإنجليزية التي تُهيمن على أكثر من 55% من المحتوى الرقمي العالمي، رغم أن الناطقين بها لا يتجاوزون 16% من سكان الأرض.
الفجوة ليست في عدد المستخدمين — نحن هنا، 400 مليون إنسان متصل بالإنترنت. الفجوة في ما نفعله حين نكون متصلين.
ساعات الاستهلاك — أرقام مذهلة
السعودية والإمارات ومصر تتصدر باستمرار قوائم أكثر دول العالم وقتاً على السوشيال ميديا. المستخدم العربي يقضي في المتوسط بين 3 و4 ساعات يومياً على منصات التواصل — أعلى من المتوسط الأوروبي والأمريكي.
لكن حين تبحث عن المحتوى العربي الذي يُصدَّر للعالم — الذي يُترجَم، يُقتبس، يُؤثر في نقاشات خارج حدودنا — تجد شبه فراغ.
نحن أكثر شعوب العالم وقتاً على الشاشة — وأقلها أثراً على ما يحدث خارجها.
لماذا؟ — الأسباب الحقيقية
السبب الأول والأكثر إيلاماً: الخوف.
إنتاج المحتوى الحقيقي — الذي يُحلل ويُعلّق ويُعارض ويطرح أسئلة — محفوف بمخاطر في معظم البيئات العربية. ما يمكن قوله في برلين أو لوس أنجلوس قد يُكلّف صاحبه في القاهرة أو الرياض ثمناً لا يريد دفعه.
فيختار الأغلبية الصمت الآمن — أو الاستهلاك الآمن.
السبب الثاني: غياب الاقتصاد.
المنتج الغربي يعرف أنه إذا بنى جمهوراً، سيتمكن من تحقيق دخل — عبر يوتيوب، باتريون، سبوتيفاي، ميديوم. البنية التحتية للاقتصاد الرقمي موجودة ومُحفِّزة.
المنتج العربي يواجه عقبات: بعض منصات الدفع لا تعمل في بلده، الإعلانات تدفع أقل بكثير لمشاهدات الدول العربية، وسوق الاشتراكات لم ينضج بعد. الإنتاج مكلف — والعائد محدود.
السبب الثالث: التعليم.
مناهجنا لم تُعلّمنا التفكير النقدي والتعبير الإبداعي بالقدر الكافي. علّمتنا الحفظ والتلقي — وهذا بالضبط ما نفعله على الإنترنت. نتلقى.
المحتوى العربي الناجح — ماذا يقول لنا؟
حين تبحث عن المحتوى العربي الذي نجح فعلاً وبنى جمهوراً حقيقياً، تجد نمطاً واضحاً:
إما ترفيه خفيف — مقاطع مضحكة، ريلز، تحديات تيك توك. هذا ينجح لأنه لا يتطلب شجاعة ولا يُثير إشكالية.
أو دين ودعوة — قطاع ضخم وناجح جداً، بجمهور مخلص ومنتظم.
أو تقنية وبرمجة — مجتمع صغير لكن نشيط، لا يواجه قيوداً لأن الكود لا يُغضب أحداً.
المحتوى الغائب تقريباً: التحليل السياسي المستقل، الصحافة الاستقصائية، الفلسفة، النقد الثقافي الجاد، الأدب التجريبي.
أي المحتوى الذي يُفكّر ويُحرّك — غائب.
الذكاء الاصطناعي — فرصة أم كارثة؟
الآن يأتي الذكاء الاصطناعي ليُعقّد المشهد أكثر.
من ناحية، أزال الذكاء الاصطناعي كثيراً من العوائق التقنية أمام الإنتاج. اليوم يمكن لأي شخص بهاتف وفكرة أن ينتج مقالاً أو فيديو أو بودكاست باحترافية معقولة — بدون خبرة تقنية.
لكن من ناحية أخرى، الذكاء الاصطناعي يُنتج محتوى عربياً بكميات ضخمة — معظمه رديء ومكرر ومُضلل. والمستهلك العربي بات يغرق في محتوى كثير لا قيمة له، مما يُصعّب على المحتوى الجيد الظهور.
التحدي لم يعد: كيف ننتج؟ التحدي أصبح: كيف ننتج ما يستحق أن يُقرأ؟
من يكسر هذا النمط؟
يوجدون — لكنهم قلة تعمل رغم التيار لا معه.
صحفيون استقصائيون يعملون من المنفى لأنهم لا يستطيعون العمل من بلدانهم. مدوّنون يكتبون بأسماء مستعارة. يوتيوبرز يُقدّمون تحليلات سياسية من دول تتيح لهم ذلك. مبادرات مستقلة تحاول بناء نماذج اقتصادية رقمية عربية.
هؤلاء يُثبتون أن المشكلة ليست في اللغة ولا في الجمهور — الجمهور جاهز ويريد محتوى جاداً. المشكلة في البيئة التي تُنتج فيها هذا المحتوى.
ما الذي يجب أن يتغير؟
ثلاثة أشياء — بالترتيب:
أولاً: فضاء أكثر اتساعاً للتعبير. لا يمكن بناء اقتصاد معرفي رقمي في بيئة تعاقب على الرأي. هذا ليس كلاماً أيديولوجياً — هذا اقتصاد بحت. المجتمعات المنتجة للمعرفة هي المجتمعات التي تسمح بالاختلاف.
ثانياً: بنية تحتية اقتصادية رقمية عربية. منصات دفع تعمل في كل الدول العربية، سوق إعلاني يدفع بشكل عادل للمحتوى العربي، ثقافة اشتراك تدعم المنتجين المستقلين.
ثالثاً: تعليم يُعلّم التفكير والتعبير لا الحفظ والتلقي. هذا الأبطأ والأصعب — لكنه الجذر.
خلاصة رصد
400 مليون إنسان يتحدثون لغة من أجمل لغات العالم وأغناها — لغة بنت حضارة امتدت قروناً وأضاءت عصوراً مظلمة.
واليوم، هؤلاء الـ 400 مليون يجلسون أمام شاشاتهم يستهلكون ما صنعه غيرهم.
ليس لأنهم لا يستطيعون الإنتاج. بل لأن البيئة لم تقل لهم بعد: تفضّل، الميدان لك.
رصد — تحليل مستقل · أخبار موثوقة
rasad.press
