السودان في عين العاصفة: كيف تحوّلت حرب هرمز إلى تهديد وجودي لميناء بورتسودان وللبحر الأحمر كله

في أبريل 2026، يجد السودان نفسه في موقع لم يختره أحد له: بين فكَّي رحى. تمرد مسلح تموّله أطراف خارجية لم ينتهِ بعد، وحرب إقليمية تشتعل على بعد مئات الأميال، لكنها تُقرِّر مستقبل كل سفينة تقترب من شواطئه، وسعر كل كيس دقيق يدخل أراضيه، وكل ليتر وقود يصل إليه عبر مياه لم تعد آمنة.

— إعلان —

🚀 أطلق موقعك مع Hostinger

استضافة سريعة وموثوقة — بأفضل الأسعار

حين أغلقت إيران مضيق هرمز في مطلع مارس 2026، لم يتوقف العالم عند ضحايا الحرب الأمريكية-الإيرانية-الإسرائيلية وحدهم. كان ثمة ضحية صامتة تقع على الضفة الأخرى من المعادلة: دول البحر الأحمر، ومن أشدها هشاشةً في هذه اللحظة — السودان.

هذا المقال ليس قراءةً في أحداث بعيدة. هو قراءة في جغرافيا الخطر التي تحيط بالسودان من كل جانب، وفي السؤال الذي لا يطرحه أحد بصراحة: ماذا يحدث للسودان إذا أُغلق باب المندب؟


أولاً: من هرمز إلى المندب — مسار الكارثة

لفهم ما يجري، علينا أن نرسم الخريطة بوضوح. الأزمة الحالية تدور حول ثلاثة محاور بحرية متشابكة:

مضيق هرمز، الذي يمر عبره قرابة 20% من نفط العالم، أُغلق فعلياً من قِبَل إيران منذ مطلع مارس. وبحسب وكالة الطاقة الدولية، فإن هذا الإغلاق يمثّل أضخم صدمة في تاريخ سوق النفط. أسعار برنت وصلت إلى 144 دولاراً للبرميل قبل أن تهبط قليلاً إثر إعلان الهدنة الهشة.

باب المندب، بوابة جنوب البحر الأحمر، بات الاسم الأكثر تداولاً هذه الأيام في غرف القرار. المستشار الرفيع لخامنئي، علي أكبر ولايتي، صرّح علناً بأن “قيادة جبهة المقاومة تنظر إلى باب المندب كما تنظر إلى هرمز”. إغلاقه يعني أن ربع الطاقة العالمية وجزءاً ضخماً من صادرات آسيا نحو أوروبا يختفيان دفعةً واحدة من خرائط الشحن.

— إعلان —

🚀 أطلق موقعك مع Hostinger

استضافة سريعة وموثوقة — بأفضل الأسعار

البحر الأحمر نفسه، الذي يقع السودان على طوله بساحل يمتد لأكثر من 700 كيلومتر، من حلايب شمالاً حتى منطقة توكر جنوباً. هذا الساحل ليس مجرد شريط رملي — هو شريان الحياة الوحيد الذي تبقّى للسودان بعد أن قطع التمرد المسلح معظم طرق البر الداخلية.


ثانياً: بورتسودان — آخر بوابة مفتوحة

منذ اندلاع التمرد المسلح الذي تشنّه ميليشيا الدعم السريع في أبريل 2023، أصبح ميناء بورتسودان هو الرئة الوحيدة التي يتنفس من خلالها الاقتصاد السوداني وتدخل عبرها المساعدات الإنسانية. الخرطوم مقطوعة. الطرق البرية مع تشاد وإريتريا وليبيا شبه مغلقة أو خطرة. البوابة الجوية محدودة. يبقى البحر.

لكن البحر الذي كان ملاذاً أصبح في عين العاصفة. فقد كشفت أرقام موثّقة أن الاضطرابات في الملاحة البحرية قيّدت قدرة السودان على استقبال الواردات عبر بورتسودان، وأخّرت شحنات المساعدات الإنسانية الحيوية، ورفعت تكاليف النقل، وفاقمت شُح الغذاء والدواء في البلاد. وهذا كله حدث قبل أن تصل الأزمة إلى مرحلتها الراهنة، التي هي الأشد خطورةً في تاريخ المنطقة منذ عقود.

الآن، والهدنة بين واشنطن وطهران تتصدّع واحداً واحداً، والحوثيون يمسكون بزناد حرب جديدة في البحر، يجد بورتسودان نفسه في دائرة الخطر المباشر لأول مرة.


ثالثاً: الحوثيون على أبواب الجار

المسافة من ميناء الحديدة اليمني إلى ميناء بورتسودان السوداني أقل من 400 كيلومتر عبر البحر الأحمر. هذا ليس رقماً جغرافياً فحسب — هو مدى صاروخي.

خلال موجة هجمات الحوثيين السابقة على السفن في البحر الأحمر منذ نهاية 2023، تأثر السودان مباشرةً رغم أنه لم يكن طرفاً في الصراع. والآن، وبعد أن أعلن الحوثيون دخولهم رسمياً في الحرب إلى جانب إيران في مارس 2026، أصبح سيناريو إغلاق باب المندب قائماً وجدياً.

خبراء من جامعة كامبريدج وصفوا إغلاق باب المندب بالتزامن مع هرمز بأنه سيناريو “كابوسي” سيُشَلّ معه التجارة نحو أوروبا كاملاً. وإذا وقع ذلك، يصبح بورتسودان محاصراً لا من الداخل فحسب — بل من الخارج أيضاً.


رابعاً: السودان لم يختر هذه الحرب — لكنه يدفع ثمنها

السودان دولة غير معنية بالصراع الأمريكي-الإيراني-الإسرائيلي. لا مواقف رسمية صادرة، لا تحالفات معلنة في هذه الجولة. لكن الجغرافيا لا تسأل عن المواقف.

صحيح أن الجيش السوداني يخوض معركة وجودية ضد تمرد مسلح تقوده ميليشيا الدعم السريع بدعم خارجي موثّق — لكن هذا لم يُعفِ السودان من تداعيات أزمة تشتعل على بُعد آلاف الكيلومترات من حدوده. السودان يقع في ثلاث تقاطعات جيوسياسية حرجة في وقت واحد، وكل واحدة منها كافية وحدها لاستنزاف دولة في كامل عافيتها.

أولها: موقعه على البحر الأحمر. الدول المطلّة على هذا البحر — مصر، السعودية، الأردن، إريتريا، جيبوتي، الصومال، اليمن — كلها تشعر اليوم بثقل الأزمة. لكن السودان وحده بينها يواجه في الوقت ذاته تمرداً مسلحاً تموّله أطراف إقليمية ودولية، مما يجعل قدرته على الاستجابة للصدمات الخارجية شبه معدومة — ليس ضعفاً في الدولة، بل لأن طاقتها كلها مصبوبة في الدفاع عن وجودها أمام مخطط تفتيت ممنهج.

ثانيها: إعادة رسم التحالفات الإقليمية. دول الجوار تحسب حساباتها من جديد على وقع الأزمة الإيرانية. مصر تنجذب نحو تكتلات إقليمية جديدة. إريتريا تراقب بقلق. إثيوبيا لا تزال تسعى لمنفذ على البحر الأحمر بأي ثمن. والسودان في قلب هذا المربع الجيوسياسي، لكن بلا حكومة تتفرغ للدبلوماسية، لأن همّها اليومي هو إيقاف مجازر ميليشيا تحرق المدن وتهجّر الملايين.

ثالثها: النفط والطاقة. حين تُعيد القوى الكبرى رسم خرائط إمداد الطاقة بعيداً عن المضائق المغلقة، تبرز أفريقيا كبديل محتمل لا يمكن تجاهله. السودان يملك احتياطيات نفطية لا يزال معظمها خاملاً، وساحلاً استراتيجياً يمكن أن يكون ورقة ثقيلة في أي تفاوض دولي — لو أن من يمسك بزمام القرار يملك مساحة التفكير بما هو أبعد من الغد.


خامساً: سيناريو الإغلاق الكامل — ماذا يعني للسودان تحديداً؟

لنكن صريحين في قراءة ما يمكن أن يحدث إذا أُغلق باب المندب فعلاً:

السيناريو الأول — الإغلاق الجزئي: ترتفع أسعار الشحن والتأمين البحري إلى مستويات قياسية. شركات الشحن الكبرى تعيد توجيه سفنها حول رأس الرجاء الصالح. هذا يعني تأخيراً في وصول البضائع إلى بورتسودان بما لا يقل عن 30 إلى 40 يوماً إضافية، ورسوم إضافية فلكية على كل طن. في بلد تستنزفه عمليات التمرد المسلح ويعاني أصلاً من ضغط اقتصادي هائل، هذا يعني جوعاً أشد، وشُحّاً في الدواء، وأسعاراً تتضاعف مرتين أو ثلاثاً.

السيناريو الثاني — الإغلاق شبه الكامل: تتوقف معظم حركة الشحن في البحر الأحمر. بورتسودان يفقد دوره كمحور للعبور والتجارة. الواردات الغذائية والطبية تنقطع أو تتأخر بشكل شبه كامل. المنظمات الإنسانية تعجز عن إيصال مساعداتها. ليس وصفاً لمستقبل بعيد — هذا وصف لما اقترب من الحدوث أكثر من مرة خلال موجات الهجمات السابقة.

السيناريو الثالث — الاستهداف المباشر: في حال توسّع الصراع، تصبح البنية التحتية الساحلية في البحر الأحمر هدفاً محتملاً. وأي ضربة تطال الموانئ أو منشآت التخزين في المنطقة ستُلقي بظلالها على بورتسودان حتى لو لم يكن الهدف مباشراً.


سادساً: الجيش السوداني والبحر الأحمر — ورقة لم تُلعب بعد

في خضم كل هذا، يبرز سؤال استراتيجي حقيقي: أين موقع القوات المسلحة السودانية من هذه المعادلة؟

الجيش السوداني يخوض معركة وجودية ضد ميليشيا مسلحة تحظى بدعم خارجي. لكنه في الوقت ذاته يمسك بالساحل السوداني، في منطقة ذات حساسية بالغة في المعادلة الدولية الراهنة. القواعد العسكرية في المنطقة، والمنشآت الساحلية، والسيطرة على المياه الإقليمية — كل هذا يمنح الجيش السوداني ثقلاً استراتيجياً لم يُترجَم بعد إلى ورقة تفاوضية حقيقية مع القوى الدولية.

دول كبرى كالولايات المتحدة وروسيا والصين كلها معنية بمن يسيطر على الساحل السوداني. الصين لديها استثمارات في منطقة البحر الأحمر تهددها الأزمة الحالية. روسيا كانت تتفاوض على قاعدة بحرية في بورتسودان قبل سنوات. الأمريكيون يراقبون تمدّد النفوذ الإيراني بقلق بالغ. السودان في قلب هذه الرقعة — لكن انشغاله بمواجهة التمرد يحول دون استثمار هذا الثقل الجيوسياسي بالشكل الأمثل.

هنا يكمن جوهر الاستنزاف الممنهج: حين تكون الفرصة الاستراتيجية كبرى، يكون السودان مشغولاً بإطفاء حريق أشعله آخرون في بيته.


سابعاً: لماذا العالم لا يتحدث عن السودان؟

الجواب بسيط ومؤلم: لأن السودان لا يملك لوبياً إعلامياً، ولا علاقات دولية نشطة، ولا حكومة تتفرغ لتسويق قضيته. حين تحدث كارثة في أوروبا أو في دولة نفطية كبرى، يتحرك الإعلام العالمي فوراً. أما السودان، فحتى وهو يدفع أثماناً باهظة منذ أكثر من عامين، يبقى في هامش الصفحات الأخيرة.

في خضم أزمة هرمز، تتحدث وكالات الأنباء عن تأثيرها على اليابان والصين والهند وأوروبا. لكن لا أحد يكتب عن تأثيرها على 48 مليون سوداني يعتمد غذاؤهم ودواؤهم على مياه باتت في مهب الحرب.

هذا الصمت ليس مصادفةً — هو نتيجة غياب الصوت السوداني من مجالس السياسة الدولية، وغياب مؤسسات الضغط والمناصرة التي تُحضر قضيتنا حيث تُصنع القرارات.


ثامناً: ما الذي يجب أن يفعله السودان — ولمن يسمع؟

في ظل المعركة الدائرة ضد التمرد المسلح، صعب الحديث عن دبلوماسية موازية بالزخم المطلوب. لكن ثمة حدٌّ أدنى من الوعي الاستراتيجي يجب أن يكون حاضراً:

أولاً: التحرك الدبلوماسي الفوري لحماية حق السودان في الملاحة الحرة عبر البحر الأحمر وباب المندب. هذا الحق مكفول بالقانون الدولي، لكنه يحتاج صوتاً يطالب به بوضوح وقوة.

ثانياً: الضغط على الدول الإقليمية والدولية المعنية — مصر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات — للاضطلاع بدور أكبر في حماية الملاحة البحرية للدول المتضررة على شواطئ البحر الأحمر، بما فيها السودان.

ثالثاً: استثمار الموقع الجيوسياسي الساحلي كرصيد حقيقي للحصول على ضمانات دولية ودعم فعلي — لا انتظار أن يتذكر أحد طوعاً أن السودان موجود وأن له حقوقاً ومصالح.

رابعاً: تسليط الضوء الإعلامي والحقوقي على الثمن الإنساني الذي يدفعه الشعب السوداني جراء أزمة تجاوزته وتؤثر فيه بشكل مباشر — لأن الصمت يُكلّف، وغياب الرواية يُكلّف أكثر.


خاتمة: بين مطرقتين

السودان في 2026 يقف بين مطرقتين: تمرد مسلح ممنهج يأكل بنيته من الداخل بأيدٍ خارجية، وأزمة بحرية إقليمية تحاصره من الخارج. لا أحد يتحدث عنه بما يكفي، ولا أحد يضع حلولاً لأزمة تتفاقم يوماً بعد يوم.

مضيق هرمز على بُعد آلاف الكيلومترات. لكن أثره يصل إلى بورتسودان، إلى رف الدواء في مستشفى شبه فارغ، إلى حقيبة رجل نزح من بيته وينتظر أن تصل إليه مساعدة جاءت من وراء البحار — وتأخرت لأن البحر نفسه أصبح ساحة حرب.

الجغرافيا تحكم. والسودان، شاء أم أبى، هو جزء لا يتجزأ من المعادلة الكبرى التي يرسمها العالم الآن على خريطة البحار.

السؤال ليس هل ستؤثر هذه الأزمة على السودان. السؤال: هل سيتحرك السودان في الوقت المناسب ليكون لاعباً في المعادلة، لا ضحيةً صامتة فيها؟

— إعلان —

🚀 أطلق موقعك مع Hostinger

استضافة سريعة وموثوقة — بأفضل الأسعار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *